أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الاِنتقال الدّيمقراطي بين الشّعبوية والفاشية (محاولة في التّسمية السّياسيّة: ترتيب وتشخيص وملامح نموذج تفسيري)

الاِنتقال الدّيمقراطي بين الشّعبوية والفاشية (محاولة في التّسمية السّياسيّة: ترتيب وتشخيص وملامح نموذج تفسيري)

Spread the love
الأستاذ زهيّر إسماعيل

توطئة

التّسمية أساس في حياتنا، فمن خلالها نرتّب عالمنا ونبني توازننا. وحين نسمّي شيئا فإنّنا نقيم معه علاقة واضحة ويدخل إلى منطقة وعينا سواء كان هذا المسمّى نافعا أوضارّا. واَرتباك علاقتنا مع ما حولنا إنّما هو راجع إلى اَرتباكنا وتردّدنا في تسميتها. بل إنّ خلافاتنا راجعة في جانب كبير منها إلى اَختلاف التّسمية. هذا داخل اللّغة الواحدة والمجال التّداولي المشترك.
وفي السّياسة تحتلّ التّسمية مركز الفعل السّياسي. فلِمُطلِق التّسمية أسبقيّة مهمّة تكاد تصل إلى “الأمل” في اِحتكار حقيقة المُسمّى وتوهّم اَمتلاكها.
هذه المقدّمة ضرورية لتبيّن ما سنقترحه من “تسميّات” تتعلّق بمشهدنا السّياسي، وقد بلغ درجة من وضوح الفاعلين فيه تسمح برسم حدود بينها حتّى يتسنّى فهم فعلها وتفاعلها واَستشراف مآلات تدافعها بغاية بناء التّقديرات الملائمة.

عناوين المشهد السّياسي الأساسية

يمكن أن نختزل مشهدنا، من وجهة نظر الصّراع السّياسي، في سياق الاِنتقال الدّيمقراطي، في ثلاثة عناوين تشير إلى مضامين سياسيّة وقوى مؤثّرة في تجربة الاِنتقال الدّيمقراطي، وهذه العناوين هي: الدّيمقراطيّة، الفاشيّة، والشّعبويّة.
الدّيمقراطيّة: تمثّلها القوى الّتي تجعل من الثّورة والدّستور والدّيمقراطيّة والاِنتخابات والاِختيار الشّعبي الحرّ ومسار الاِنتقال مرجعا لها في مواقفها وأدائها. وتختلف هذه القوى في هويّتها الاِجتماعيّة، فمنها أحزاب ومنظّمات وجمعيّات، كما تختلف في تصوّرها للدّولة والمجتمع والاِقتصاد وإدارة الثّروة.
الفاشيّة: يمثّلها الدّستوري الحرّ، بمناهضته المعلنة للثّورة والدّستور والتعدّد وتمجيد الاِستبداد والعمل على اَستعادة إرثه البغيض.
الشّعبويّة: يمثّلها رئيس الجمهوريّة بتصوّره الشّكلاني للتّمثيل الشّعبي، ومناهضته الصّريحة لفكرة الأحزاب والدّيمقراطيّة التّمثيلية ونظامها السّياسي، باِتّجاه تصوّر مركزي للقيادة رغم دعاواه الأفقيّة. وهذا جوهر شعبويّته.

العلاقاتُ المؤَسِّسة لهذه العناوين

يستدعي ضبط العلاقة بين هذه العناوين الثّلاثة، بالاِستناد إلى أداء القوى الّتي تمثّلها، عناوينَ أخرى ضروريّة نختصرها في أربعة:
أ – الاِنتقال الدّيمقراطي: وهو المسار الّذي اِنطلق مع فشل عمليّة التّأسيس والخروج منها إلى أفق “تسويّة تاريخيّة” تؤسّس تجاذب القديم والجديد على قاعدة رأب الصّدعين الهووي والاِجتماعي، وإعادة بناء بناء الدّولة لتكتسب الصّفة “الوطنيّة” وتغادر حقيقتها “الجهويّة”.
ب – المنظومة الدّيمقراطيّة: وهو السّقف السّياسي المعمّد الّذي أمكن بناؤه، ومن مفرداته الدّستور والنّظام السّياسي والمرجعيّة الدّيمقراطية والمواطنة.
ج – الصّراع الدّيمقراطي: وهو العمليّة السّياسيّة الّتي تتمّ تحت سقف الدّيمقراطيّة والتّنافس بين الأحزاب في خدمة الشّأن العامّ من خلال الاِنتخابات الحرّة والاِلتزام بنتائجها السياسيّة واَحترام التعدّد والاِجتهاد في إدارة الاِختلاف ديمقراطيّا. وأحد وجوهه هو ما نعيشه منذ 2011 من تنافس بين الأحزاب الدّيمقراطيّة المختلفة في برامجها وأدائها.
د – صراع ضدّ الدّيمقراطيّة، أو اِستهداف الدّيمقراطيّة
وهو صراع مناهض للدّيمقراطيّة، وتمثّله جهتان الفاشيّة والشّعبوية المتقاطعتان في معاندة الدّيمقرطية ومُجمل مخرجاتها السّياسيّة في سياق مسار الاِنتقال.
لا خلاف في أنّه من حقّ أيّ كان أن يعبّر عن رأيه المخالف للتّجربة الحالية. وهناك من القوى الدّيمقراطيّة من له نقد جذريّ لتجربة الاِنتقال، ويعمل على تطويرها. ولكنّه لا يخرج سياسيّا وأخلاقيًا عن مبادئها وقوانينها الإجرائية.
في حين تعمد الفاشيّة إلى اَستهداف مؤسّسات المنظومة الدّيمقراطية وفي مقدّمتها مجلس نوّاب الشّعب المؤسّسة الأصليّة في النّظام السّياسي الجديد. فهي لم تطرح تصوّرا مغايرا للحكم حتّى وإن كان مطابقا لنظام الاِستبداد، وتعمل ديمقراطيّا على أن ينال قبولا من الأغلبيّة في اِستحقاق اِنتخابي قادم. ولكنّها تعربد وتعطّل وتهشّم المؤسّسة (البرلمان) والآلية الدّيمقراطيّة (الاِنتخاب الحرّ الّذي أوصلها)، وتنشر خطاب كراهية فظيع لا أفق له إلاّ الاِحتراب الأهلي.

وأمّا الشّعبويّة الّتي أكّدت أثناء الاِنتخابات بأنّها لا برنامج لها، فإنّها تدرك أنّ اَعتلاءها رئاسة الجمهوريّة، في جانب منه، كان بفضل الأحزاب، والأهمّ أنّه تمّ بعقد قانوني ظاهر يضبط دور مؤسّسة الرّئاسة، وبعقد أخلاقي ضمني أساسه الثّورة ومرجعيّتها الدّيمقراطيّة والأخلاقية.
من حق قيس سعيّد أن يبلور فكره ومشروعه وتصوّره للسّياسة والدّولة والاِنتظام ، بأن يبني قوّة شعبيّة منظّمة تدفع بهذا الاِتّجاه. ولكنّه خرق العقديْن والميثاقيْن، وقد كان أقسم على اَحترام القانون والدّستور.
خرقهما حين اَنحرف عن المهمّة الّتي من أجلها اُنتُخب، وهي مهمّة رئيس الجمهوريّة الجامع لكلّ التّونسيين والضّامن لأمن البلاد القومي، والمعبّر عن سياستها الخارجيّة ومصالحها الاِقتصادية في الخارج.

وللتّذكير فإنّ من سبَق سعيّد من الرّؤساء تخلّوا جميعهم عن صفتهم الحزبيّة، واَستقالوا من أحزابهم يوم مباشرتهم مهامّهم في الرّئاسة (المرزوقي، السّبسي) اِلتزاما بالقانون وفاءً لما اُنتخبوا من أجله. في حين أصبح قيس سعيّد الّذي لا حزب له “جهة حزبيّة” متوتّرة، في وقت قياسي. وصار خصما سياسيّا. وجزءا من “العركة الحزبيّة”. واَستهدف فكرة الحزب والمنظومة الحزبيّة وأدان الأحزاب وحمّلها مسؤوليّة الفشل والأزمة. وقاد معاركه الموجَّهة إلى شركاء له في الحكم من داخل “المؤسّسة العسكرية والأمنية” أهمّ ضمانات الاِنتقال الدّيمقراطي، ليدخلها في متاهات التّجاذبات السّياسيّة المدمّرة.
وساعده على منحاه هذا عاملان أساسيان:
تعثّر التّجربة ومسؤوليّة الاحزاب فيها، وما اَرتبط بذلك من صورة سلبيّة لفكرة الحزب والحياة السّياسيّة الدّيمقراطيّة.
وتواطؤ بعض الجهات السّياسيّة والاِجتماعية في سياق حسابات فئوية وإيديولوجية ضعيفة الصّلة بالمرجعيّة الدّيمقراطيّة.

القوى الدّيمقراطيّة بين الفاشيّة والشّعبوية وبقايا السّيستام

“القوى الدّيمقراطيّة” هو المصطلح الجديد الّذي نعبّر به من هنا فصاعدا عن القوى المؤمنة بالثّورة وبالمسار الدّيمقراطي والملتزمة مبدئيا بإدارة الاِختلاف ديمقراطيّا وبالنّتائج السّياسيّة للاِنتخابات الحرّة والنّزيهة، والملتزمة مرحليّا بالدّستور وبالنّظام السّياسي المنبثق عنه. سواء كانت من القديم أم من الجديد. وهو ما سيغنينا عن ثنائيّة قديم/جديد الّتي فقدت كثيرا من إجرائيّتها، ما اَستطعنا إلى ذلك سبيلا.
وتمتدّ هذه القوى من الجبهة الشّعبية مرورا بالنّهضة والتيّار والشّعب وقلب تونس وتحيا تونس إلخ…. وصولا إلى اَئتلاف الكرامة.
هذه القوى محكومة بالصّراع الدّيمقراطي، وتتنافس على ضوئه. ولها أن تدير تحالفاتها وخلافاتها في مواضيع المنوال التّنموي وطبيعة الدّولة ومحاربة الفساد ومقاومة الإرهاب، تحت سقف المنظومة الدّيمقراطيّة وبمرجعيّة القانون ومصلحة البلاد.
ويبدو لنا طبيعيّا أن يتّهم أحدها شريكه أو منافسه بالتّغطية على الفساد أو وضع اليد في يد المنظومة القديمة، أو المسؤولية عن فشل التّجربة وتفاقم الأزمة، رغم أنّنا نعتبر الجميع قد تكافأ أخلاقيّا في هذا، مع اَختلاف في الدّرجة.
ولكنّ مستوى مهمّا نشدّد عليه وهو علاقتها بالدّيمقراطيّة وبمسارها السّياسي، من ناحية، ومن ناحية أخرى علاقتها بالشّعبوية والفاشية وبقايا السّيستام؛ هذا المكوّن الغامض الّذي نجد صعوبة في تشخيصه ولكنّنا لا نخطئ في تبيّن آثاره السّياسيّة على التّجربة النّاشئة.
فعلى سبيل المثال تبدو علاقة التيّار الدّيمقراطي بالنّهضة الأكثر توتّرا داخل القوى الدّيمقراطيّة، وتبدو علاقة الشّعب بالتيّار الأكثر اَنسجاما (الكتلة الدّيمقراطيّة).
ولكن من مرجعيّة الدّيمقراطيّة ومسارها وعلاقته بالجوار الإقليمي و”الرّبيع”، نجد تباعدا مسكوتا عنه بين التيّار والشّعب، وشبهَ تطابق مسكوتا عنه أيضا بين النّهضة والتيّار(لا يعنيني تفاهمهم من عدمه، إن شاء الله ياكلوا بعضهم).
فالنّهضة والتيّار يتبنّيان حدث الرّبيع، ويناهضان نظام الاِستبداد العربي، ويدعّمان الحلّ السّياسي في الأقطار الّتي اِنزلقت إلى الحرب الأهليّة. مع خلافات معلومة بينهما في موضوع صراع المحاور، والتّحالفات الدّولية، وجانب من السّياسة الخارجية.

في حين يختلف وضع حركة الشّعب عنهما. إذ يواجهها سؤال: هل من الممكن أن تكون مع الثّورة والدّيمقراطيّة في تونس ومع حفتر وأنظمة الاِستبداد (مصر، سوريا)؟ وهو مأزق كلّ من لم يستوعب رسالة الثّورة الّتي أسّست، تلازمَ المقاومة والمواطنة، من خلال ما عرفته بعض الأقطار من مآس نتيجة التدخّل الخارجي والجماعات الوظيفيّة.
ولكنّ التحدّي الأكبر الّذي واجه القوى الدّيمقراطيّة كان في علاقتها بالشّعبوية والفاشية المستهدفتين لأسس الدّيمقراطيّة ومسارها المتعثّر. وقد اِعتبرت بعضها (تحديدا التيّار والشّعب) هذا الاِستهداف “وجهة نظر سياسيّة”. ولم تجعل من التصدّي لاِستهداف الدّيمقراطيّة أولويّتها ومهمّتها الأحقّ بها. ولو فعلت لأمكن لها تجاوز ما نَتَأ من اِستقطاب قديم: نهضة/ تجمّع، وذوّبته داخل الفرز الجوهري: ديمقراطيّة/ اِستبداد. ولتمكّنت من إحداث ثغرة في طريق الاِنتقال المسدود.

وضاعفت أطوار تشكيل الحكومات بعد اَنتخابات 2019، مع دخول الشّعبوية والفاشية مُعطَييْن جديديْن في المشهد، من تعقيد العلاقة وخلط الأولويات، وإفساح المجال واسعا للطّارئيْن الجديديْن بأن يمسكا بكثير من أوراق اللّعبة. وغلبت المصلحة السّياسيّة الحزبيّة والطّموح الشّخصي وتبكيت المنافس وإضعافه على بناء المشترك داخل القوى الدّيمقراطيّة. وتمثّل تجربة حكومة الفخفاخ المختلف في تقييم تجربتها القصيرة عيّنة من هذا الاِرتباك السّياسي والتّهويم الاِستراتيجي، رغم أنّها نتيجة لتفويض شعبيّ بمزاج “ثوري”.
مطبّان وقعت فيهما القوى الدّيمقراطيّة: هما العلاقة بالفاشية والشّعبوية من ناحية والعلاقة ببقايا السّيستام من ناحية أخرى. ولا يخفى أنّ العلاقة ببقاياه منفتحة على التّأثير الخارجي في المشهد الوطني. ودون تفصيل في ملابسات هذا التّأثير، فإنّ الجامع بين القوى الدّيمقراطيّة هو أنّها جعلت من خصوم الاِنتقال الدّيمقراطي حكَمًا بينها واَستقوت به في صراعاتها البينيّة.
ويتأكّد هذا اليوم مع أطوار تشكيل حكومة المشّيشي الّتي لن تكون إلاّ “حكومة الرّئيس”. والأهمّ من كلّ هذا هو التّقاطع بين الشّعبوية والسّيستام واَتجاههما إلى تجسير العلاقة مع مكوّنات بعينها من القوى الدّيمقراطيّة لرسم ملامح المرحلة المقبلة بنكهة اِستقطاب هووي/ نمطي مستهلك.
وإنّ مواجهة الشّعبوية والفاشية لن تكون إلاّ بردّها عن اِستهداف المسار وذلك بفرض الصّراع الدّيمقراطي عليها تحت سقف الدّستور والمنظومة الدّيمقراطيّة.

الدّيمقراطيّة، الشّعبوية، الفاشيّة عناوين مفاتيح تشير إلى ثوابت المشهد السّياسي نقترحها في مقاربته وفي ترسّم مسار الاِنتقال الدّيمقراطي ومآلاته.
وأمّا أسباب التعثّر العميقة وتشوّه المشهد الحزبي قبل 2019، وفشل الأحزاب واَهتزاز صورتها، والّتي تمتدّ إلى اليوم ومن بينها اَنفصال الحكم عن السّلطة، فقد كتبنا فيها نصوصا مفصّلة، وسنعود إليها في نصّ جامع.
وهذه الورقة في جوهرها محاولة في بناء نموذج تفسيري كي لا تبقى المعاني السّياسيّة تدور على غير أسمائها، وفتح حوار حرّ ومباشر تتيحه وسائل التّواصل المستحدثة.