شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | الاِعتداء على مربّ/ توضيح…

الاِعتداء على مربّ/ توضيح…

image_pdfimage_print
Facebook 0 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail

أرشيفيّة

هذه تدوينة للأستاذ “مجاهد بكوش” يشرح فيها ظروف اِعتقاله واِستجوابه من طرف “الأمن”:

مشهد العراك من بعيد يبدو كأنّه اِعتداء على دورية مرورية ممّا جعلني أستحضر حادثة بنزرت المتمثّلة في اِعتداء شابّ على عون مرور وصبر الأخير على ظلمه، وقد وثّق الحادثة مواطن بهاتفه الجوّال وهو ما ساهم في خلق موجة تعاطف مع الأمنيّين ورفض شعبيّ للاِعتداء عليهم، وقد كرّم ذلك العون من قبل وزير الدّاخلية واُحتفي به في الإعلام لردّ الاِعتبار له في لفتة جميلة.

لهذا لم أتردّد في توثيق الحادثة إلا أنّ المفاجئ هو ما ظهر في الفيدو وهو متروك للقضاء ليفصل فيه بين طرفي النّزاع.

أمّا ما يخصّني فكنت منسجما مع نفسي ومبادئي عندما نشرت الفيديو من منطلق رفضي لاِستعمال العنف من أيّ طرف كان وخاصّة ونحن نؤسّس لجمهوريّتنا الثّانية وطموحنا لازال كبيرا لترسيخ ثقافة القانون فوق الجميع. المهمّ نشرت الفيديو ويبدو فيه أعوان الأمن يمارسون عنفا غير مبرّر على رجل وزوجته أمام اِبنهما، وأنا أؤكد لكم أنّ تفطّن العون لي وأنا أصوّر هو ما دفعه إلى العودة إلى رشده واِلتزام تطبيق القانون والكفّ عن ممارسات قطّاع الطّرق والباندية مع العلم أنّني لم أعرف الشّخص المعتدى عليه إلاّ في آخر الأحداث ثمّ لم يكن يعنيني من هو.

ولا يمكن أن أخفي حرصي على التّشهير بكلّ من يمارس العنف مهما كان. فهل تشفع لي تلك القناعة نشر الفيديو على شبكة التّواصل الاِجتماعي؟. حقيقة كان نشر الفيديو واجبا أخلاقيّا لم أتردّد لحظة في القيام به دون التّفكير في اِستتباعات ذلك لأنّ فضح هكذا ممارسات نوفمبرية قمين بقبول ضريبته مهما كانت مكلفة. ولسائل أن يسأل: وما الغاية؟. أقول أنّ تعاطف النّاس مع الأمني المعتدى عليه قلّص الهوّة بين الشّعب والأمنيّين وأنّ هذا الفيديو سيكون له ذات الأثر لأنّه سيذكّر الأمنيّين بأخطائهم فيصلحوا من أمرهم. أمّا خطاب اُتركوا الأمنيّين يعملون دون مضايقات فهو خطاب سطحيّ يعيدنا إلى عهود الأجهزة القمعيّة الّتى تعمل بعقليّة العصابات أي دون ضوابط أو محاسبة وهذا ما لم يعد يقبله عاقل.

النّتيجة اِستدعاء لفرقة الأبحاث في المهدية وذلك يوم الخميس 14 فيفري فكنت في الموعد إلاّ أنّ رئيس فرقتها وقبل أن يعرف هويّتي عاملني بطريقة فجّة وبعبارات سوقيّة فضلا عن سبّ الجلالة، ولحسن الحظّ تدخّل عون ثان وطلب منّي العودة يوم السّبت لاِنشغالهم بقضيّة كبيرة حسب قولة، فغادرت مقرّ الفرقة وفي نفسي شعور بالضّيق بسبب هذه البذاءة المجانيّة فكتبت هذه التّدوينة: أعوان مرتبكون يصطنعون الصّرامة وهم خواء إلاّ من رحم ربيّ وهم قلّة.. وكنت أقصد رئيس الفرقة تلميحا لا تصريحا.

ونفس الوقت كنت أبحث عن مبرّرات لتلك السّلوكات الفجّة. يوم الجمعة باشرت عملي الممتدّ من الثّامنة حتّى الواحدة بعد الزّوال وعند السّاعة 11 و35 دقيقة يأتيني السيّد المدير ليعلمني أنّ سيّارة بها أشخاص بلباس مدنيّ يطلبون لقائي لأمر عاجل ولا يحتاج أكثر من عشر دقائق وقال إنّهم من فرقة الأبحاث فذهب ظنّي أنّهم سيسلّمونني اِستدعاء أو ما شابه إلاّ أنّي لم أكن أرغب في مغادرة القاعة فطلبت من المدير أن يقترح عليهم إجراء اللّقاء في مكتبه فدعّم الفكرة وذهب إليهم فوافقوا في البداية دخلوا المكتب وما أن عاد المدير ليطلعني بالأمر وأذهب لملاقاتهم حتّى عادوا إلى السيّارة “ستافات” في باب المدرسة وطلبوا منّا موافاتهم بالباب لأنّ الأمر لا يستحقّ أكثر من دقائق. ذهب المدير إلى مكتبه بينما توجّهت أنا إليهم لكن كنت حريصا على عدم الخروج من الباب وما أن اِقتربت منهم حتّى فتحت كلّ الأبواب وظهرت بين أرجلهم هراوات وفي أيديهم أجهزة وبخّاخات رذاذ الفلفل وأحاطني أحدهم بذراعه وطلب منّي الخروج والدّخول إلى السيّارة. فهمت أنّهم كانوا ينوون بي شرّا وأنّ اِحتمائي بحرمة المدرسة سوف لن تحول دون هدفهم.

وتجنّبا لما قد يحدث من اِعتداء جسدي عليّ أمام التّلاميذ وبعض الأولياء ثمّ لأنّهم لم يتركوا لي خيارا آخر رغم أنّي أعلمتهم أنّ تلامذتي في القسم وسيّارتي في السّاحة إلاّ أنّهم دفعوني إلى خارج الحرم المدرسي وأجبروني على ركوب السيّارة الّتي تبيّن فيما بعد أنّها تحمل لوحة منجميّة أجنبية ثمّ اِنطلقوا بسرعة جنونية وما أن اِبتعدنا قليلا حتّى بدأت الشّتائم والتّهديدات بالضّرب وكانت يد رئيس الفرقة كلّ مرّة تشارف لمس وجهي وهو يحاول ضربي بينما كان يقود السيّارة ولأنّي اِلتزمت الصّمت لأنّه تبيّن عندي أنّ الأمر لا يتعلّق بجرم أو بقضيّة يستوجب أو تستوجب عقابا مستحقّا وإنّما أنا إزاء جماعة تتصرّف كما يتصرّف السيّد في خرفان ضيعته بلا ضوابط وبلا حدود فاِخترت الاِستعداد للأسوإ وتركته غارقا في بذاءته الّتي لم تسلم منها أمّي ولا زوجتي ولا أختي بل تفنّن في اِستحضار أبشع وأحقر أساليب التّعذيب والتّنكيل متوعّدا لي بنهاية أسبوع رهيبة (أستحي من اِستعمال معجمه لأنّه لا يليق بي كمربّ وكفرد من عائلة محافظة) تركته وشردت في شرق المتوسّط لعبد الرّحمان منيف ثمّ عاد بي الزّمن إلى 8 مارس 2008 واِعتقال مشابه بسبب وقفة تضامنيّة غير مرخّص فيها مع أطفال غزّة (حقيقة لم تكن بمثل هذا الرّعب).. كنت مرتديا ميدعتي ونحن نصعد إلى الطّابق الثّاني بينما كان يسبّ الجلالة ويقول كلاما لم أفهمه وعندما دفعني بقوّة من الخلف ثمّ جذب الميدعة وهو يقول: “نحّي عليّ ربّ هالطبلية” قلت له وأنا أنزعها حتّى لا يمزّقها “معقّداتك هالطبلية” فزادت ثائرته الّتي سرعان ما هدأت وتبدّل لون وجهه ما أن رنّ جرس هاتفه ووصلته مكالمة ممّن وضع ربّما حدّا لصلفه وجبروته وظلمه…

الإيقاف دام قرابة الأربع ساعات وعيّنت لي جلسة يوم 5 مارس 2019…
أمّا في ما يتعلّق بردود الأفعال فأنا بصراحة لم أكن أعوّل عليها وأنا أمارس قناعاتي ولكن لا أنفي وجود شرفاء بين أقاربي وأصدقائي وزملائي في التّعليم بصنفيه ومن نشطاء المجتمع المدني الّذين نفتخر بهم على الدّوام. وبالنّسبة لنقابتنا العامّة أعرف أنّ الظّرف صعب وأنّها تجود بما عندها ونحن لا نحمّل نفسا إلاّ وسعها.
ولذاك الغرّ أقول: سأدافع عن حقّي وحق كلّ مربّ أنا أشترك معه في المهنة وسأقاضيك حتّى لا تكون ضيعة لمحروس وحتّى يكون مستقبل تلاميذي أجمل من واقع مازلت أنت أحد نقاطه السّوداء.

(المربّي الأستاذ: المجاهد البكّوش)

Facebook 0 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

%d مدونون معجبون بهذه: