الاِستئصال لتحقيق الآمال

الأستاذ أحمد غيلوفي

الخميس الفارط تناقشت مع أستاذة حول وضع البلاد. بادرتني بالحلّ النّهائي “لا بدّ من اِستئصال النّهضه”، قالتها وهي “تتسومم” وواثقة من حلّها. في البداية أصابني الفزع وأحسست بالإدريالين يصعد لرأسي ولكنّي تماسكت وقلت لها ببرود: “ولكنّهم سوف يدافعون عن أنفسهم فتصبح حربا أهليّه، وهم أكثر عددا من الّذين يريدون اِستئصالهم، والدّليل حصولهم على الأغلبيه في مناسبتين؟” فردّت: “نستعمل الأمن والجيش..”.

هنا مربط الحمير والبغال وكلّ أنواع الحافر: لماذا لا يتصوّر هؤلاء الدّولة إلاّ معهم، وأنّها لا يمكن أن تقف محايدة أو تنحاز ضدّهم؟ لأنّها ببساطة لهم منذ نشأتها ويوظّفونها في خدمتهم وهم من يشغل مراكزها الحيويّه ومفاصلها: طيلة 70 سنة وهم رؤساء ووزراء وسفراء ومنهم قادة الجيش والأمن الكبار وأصحاب المال والإعلام. عركتهم مع النّهضه كانت ستكون نفسها مع البوكت أو القوميّين لو نافسوهم على اِستعمال الدّوله.

العركة في ظاهرها إيديولوجي وفي باطنها صراع حول “المُلك” بالمعنى الخلدوني: لم تبلغ الدّوله لدينا مرتبة الجهاز القانوني المحايد الّذي يمارس العنف الشّرعي (الّذي يحدّده القانون) ولكنّها في نفس الوقت تجاوزت دولة العائله (الدّولة الحسينية). نحن أمام شكل هجين للدّولة: بقايا الحسينيّين مع وافد جهويّ منذ العهد البورقيبي مع حزام من الصّبايحيه الّذين شكّلوا عصا الباي ثمّ عصا بورقيبه وبن علي. هؤلاء وجدوا أنفسهم مهدّدون بتقسيم جديد للسّلطة والمواقع يقوم على نتائج الاِنتخابات، وهم يرفضون هذا المسار لسببين: الأوّل لأنّهم يستبطنون أنّ الدّوله لهم. وثانيا لعدم ثقتهم من نتائج الاِنتخابات- وهو ما يجعلهم أكثر توتّرا. حلهم الوحيد هو اِستئصال المنافسين بواسطة “دولتهم”.