أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الإنسان يعود إلى الكهف

الإنسان يعود إلى الكهف

Spread the love
الأستاذ نورالدّين العلوي

صورة واحدة تمرّ. خبر واحد يتكرّر. علاج واحد ينصح به. “عد إلى كهفك أيها الإنسان ففي كهفك منجاتك ممّا صنعت يداك” بعض المؤمنين جدّا يعبّرون عن سعادتهم بالاِنتقام الإلهي من الكفر. بعض رجال الاِقتصاد والسّياسة يبرّرون التّضحية ببعض الآلاف من أجل عودة الاِقتصاد والكسب. حكومة التجّار الأنجليز قالت للقطيع مرحى بالاِنتخاب الطّبيعي. وحدهم الأطبّاء في كلّ العالم يقودون الحرب ضدّ عدوّ لا يرونه فينصحون بالكهف الإنساني الأوّل. وقد خزّن الإنسان أكله ويطلّ الآن من الكوّة مرعوبا من حيوان الغابة الجديد والاِمتياز الوحيد الّذي لديه الآن هو الثلاّجة فلن يتعفّن اللّحم بين يديه فيضطرّه للخروج إلى الصّيد من جديد. لا شكّ أنّ جون جاك روسو سعيد في قبره الآن فقد رأى الإنسان يدمّر نفسه بالأنوار الكاذبة.

في الكهف نعود إلى أسئلة روسو الأولى.

هل كانت أنوار العقل خير كلّها؟ الفيروسات والمصنّعة بيد الإنسان منها خاصّة تقول لنا لقد أخطأ الإنسان الطّريق وعليه أن يعيد هذا الفصل الدّراسي ومقرّراته. في درس الأنوار الطّويل صنع الإنسان من أدوات القتل أكثر ممّا صنع من أدوات الحياة. وسنجد روسو على حقّ لقد أفسدت المعرفة أخلاق الإنسان. سنميّز هنا مضطرّين بين إنسان وآخر ولكنّه تمييز سيؤكّد صورة الإنسان القاتل لا الإنسان صانع الحياة.
لقد تمتّعنا طيلة القرن العشرين بصور الإنسان يركب الفضاء ويغوص في البحار ويسجّل الاِكتشافات والاِختراعات ويزدهي فيندفع إلى تصنيع الفيروسات في المخابر معلنا سيطرة مطلقة على الطّبيعة العدوّ الظّاهر الخفيّ. ما بين أيدينا الآن من وسائل الحياة يصيب أكثر المتواضعين بالغرور. فالإنسان يحكم حتّى خرجت عليه الفيروسات من بين يديه فإذا هو هارب إلى كهفه الأوّل مكسورا مهزوما عاجزا يترقّب. وليس بإمكان الأعلم من بين علمائه من يقدّم له موعدا لنهاية الكهف الجديد. مراجعات أخلاقية تفرض نفسها هل كان في حاجة إلى أن يذهب في هذا الاِتّجاه فيصنع له عدوّا وقد ظنّ نفسه لا يغلب؟ لقد هزم الإنسان نفسه وهو يتوهّم الاِنتصار.

كورونا مدعاة للنّقد الذّاتي

نعم ذهب البحث العلمي في مسارب مفيدة للإنسان. لقد كانت هناك أمراض قديمة ليس أقلّها خطرا الحمّى الاسبانية الّتي أفنت الملايين في غياب لقاحات وقد قهرها الإنسان كما قهر السلّ والتّفويد والكوليرا والملاريا وكان بإمكانه أن يصل إلى الإنسان الّذي لا يمرض أبدا. لقد رفع معدّل أمل الحياة إلى حوالي القرن ولكنّه اَرتكس فجأة إلى الكهف. كثير ممّا فعل ويفعل لم يكن هدفه الحياة بل قتل الآخرين ليربح من موتهم وكان يفعل ذلك وراء ستار عزّة كاذبة بقدرته على المعرفة والخلق.
ليس هذا وعظا دينيّا بل محاولة قراءة في مسار تحويل المعارف إلى أدوات حياة. هل كان الإنسان يصنع أدوات حياته الجديدة بعد جهل القرون. كان هذا هو الظنّ الغالب عليه وكان هذا هو وهم من يتابع أخبار العلماء مزهوّا بقدرتهم لقد خلق في الأثناء وسائل هشاشته وهو يظنّ أنّه يقوّي مناعته وأسباب بقائه الأزلي. هل يستعيد الإنسان عقله فيوجّه معارفه كلّها إلى صنع السّعادة بتطوير الصحّة العامّة والخاصّة.
هل سيعود بالبحث العلمي إلى غاياته الأخلاقية الّتي مجّدها أوجست كونت في زمن التّبشير بالعلم بديلا للجهل في زمن وضعي يقول فيه الإنسان لصورته في المرآة لقد أنهيت الجهل فأنا عالم بكلّ شيء بل أنا العالَِم بكسر اللاّم وفتحها. كورونا تعيدنا إلى حقيقة بسيطة، الإنسان يجهل نفسه بل اِزداد جهلا بها وهو يقف على هذه الحقيقة. بل تصبح الصّورة وعظية لاهوتية فأقلّ الكيانات وجودا وأضعفها بنية يهدّد أقواها فيلجئه إلى كهفه عاجزا مقهورا. فهل يرعوي؟

حديث الاِقتصاد في قمّة الأزمة الصحّية العالمية واَنشغال قوى السّوق بنتائج الحجر الكوني على الشّركات والتّبادل وخاصّة صور الطّائرات الباركة في المطارات وصور النّزل الفارغة وصور المعامل المغلقة لا ينبئ بأنّ الدّرس قد وصل إلى من عليه التعلّم. وهذا منذر بأنّ العلم سيواصل خدمة رأس المال ونحن بذلك مضطرّون إلى التّسليم بحقيقة بشعة لا تزال توجّه وجودنا. وهي أنّ تصنيع الموت له مردود مالي مفيد جدّا. لذلك سيواصل رأس المال صناعة الطوّاعين والأوبئة ليتسنّى له تصنيع أدويتها. بل اِلتقطنا في أيّام الحجر سخرية سوداء أنّ الكورونا سيخفّف من أعباء صناديق الضّمان الاِجتماعي فهو يفرز العجزة وينهي صرف جرايات تقاعدهم.

ننظر آملين أن يقوم العلماء بعقول هادئة بالعودة إلى خطّة بحث علمي جديدة تنهي العبث بالطّبيعة وتوجّه الجهد إلى صناعة الحياة. من سيفعل ذلك؟ إذا كانت الحكومات مالكة الموازنات وموجّهة التّمويل مملوكة لرأس المال الّذي يحسب خسائره ويريد المغامرة بمن تبقّى من الإنسان المعافى.
نحن في الكهف والوحش يتربّص في المدخل.

هذه حالنا اليوم نحسب عدد الإصابات وعدد الموتى ونتابع حتّى مشاهد العجز عن الدّفن طبقا للتّقاليد المرعيّة. ومشاهد حرق الموتى في إيطاليا تثير فينا أشدّ أنواع الألم ونقول لو دفنت قتيلي لمتّ معه أو بعده بساعات. لقد اِرتددنا إلى حالة بدائية. (كانت حالة الطّبيعة صورة متخيّلة بنى عليها فلاسفة الأنوار فلسفة الأنوار والتقدّم دون أن يعيشوها). ها نحن نعيشها ولا نضع فرضيات حياة أخرى لما بعدها بل تصل فينا لحظات الإحباط إلى القول هل توجد حياة بعد الكورونا؟
هل سيكون الإنسان بعد الكورونا هو نفسه بعدها؟ رأس المال والشّركات غير مهتمّة وليست هذه شواغلها (نتذكّر خطّة كيسنجر القديمة بتخفيض عدد سكّان العالم إلى الثّلث بقتل الثّلثين) سيظهر فلاسفة عاجزون عن الفعل يدبّجون نصوصا عالية النّبرة ضدّ رأس المال كان هذا شغل الفلسفة وعلم الاِجتماع وكثير من الأدب الحزين. لكنّ رأس المال سيظلّ يختلق فرص الرّبح بتصنيع الأمراض وتصنيع الأدوية.

كتب روسو مواعظه الأخلاقية زمن تقدّم رأس المال متسلّحا بفلسفة اِنتصارية على الطّبيعة فلم يسمع له أحد ونحن نستعيده كنوع من التّعزية البائسة إذ لا يمكننا أن نغمض أعيننا أنّنا نعيش منذ قرون طويلة صراع رأس المال ضدّ الأخلاق، صراع طرمب ضدّ روسو. روسو ينهزم دائما لأنّ طرمب متحالف مع الكورونا. ها نحن في الكهف نطلّ من كوّة صغيرة ونحتمي من عجزنا القاهر بالله أن يصنع معجزة.