أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الإمارات العربية المتّحدة: بأس يضيء.. ويحترق

الإمارات العربية المتّحدة: بأس يضيء.. ويحترق

Spread the love

جبهة الانقاذ

الأستاذ حمزة بن راشد

الأستاذ حمزة بن راشد

منذ خمس سنوات ظهر الفريق ضاحي خلفان قائد شرطة دبي في برنامج “الشّارع العربي” مع المذيعة زينة الياجزي على قناة دبي الفضائية. كان اللقاء يسبق بأشهر معدودة اِنقلاب العسكر المصري المموّل من “الرزّ” الإماراتي، وكذلك كان يسبق بأشهر قليلة خروج التّرويكا من الحكم باِنقلاب أبيض وناعم على ما قرّرته صناديق الاِنتخابات. سأقتبس لكم أهمّ نقطة من حديث الرّجل النّافذ في أوساط الحكم الإماراتي لنفهم بها الاِنكسارات المتسارعة الّتي طبعت سيرورة الرّبيع العربي في مصر، ولنفهم أكثر حدّة الحنق الأعرابي على التّجربة التّونسية بأن بلغ بهم الحال لاِنتهاج سياسات صبيانيّة منعوا من خلالها النّساء التّونسيات، حصرا، من السّفر إلى الإمارات أو عبرها:

– المذيعة: هل تعتبر إسرائيل خطرا على العرب

– ضاحي: إسرائيل ليست خطرا على العرب مطلقا

– المذيعة: لماذا؟

– ضاحي: لأنّ الدّول العربية غير قادرة على مواجهة إسرائيل

– المذيعة: هل تعتبر إيران خطرا على العرب؟

– ضاحي: نعم إيران خطر على العرب

– المذيعة: هل تعتبر الإخوان خطرا على العرب؟

– ضاحي: نعم الإخوان خطر على الدّول العربية، وأنا أبشّرك ستكون دول الخليج مقبرة للإخوان، وفي غضون 4 إلى 5 سنوات لن يكون هناك شيء إسمه الإخوان، نعم يبقون لكن مثل الكتاكيت.

في الحقيقة ليس الإخوان تحديدا من يمثّل خطرا على عروش النّظم الأميرية في الخليج ومنها الإمارات، ولكنّ التّجربة الدّيمقراطية الّتي تخضع لصناديق الاِقتراع بدول الرّبيع العربي والّتي منحت حظّا أوفر لأحزاب الإسلام السّياسي بعيد الثّورات أمام بقيّة التوجّهات هي الخطر الحقيقي على أنظمة شمولية توريثية تخضع مسألة الحكم داخلها إلى غلبة وجهاء القبيلة ومنعة الأشراف أمام بقيّة باقية من الرعيّة لا تملك إلاّ الخنوع وخفض الجناح لساداتها وأولي الأمر منها.

تمكّن آل زايد من النّفاذ إلى المؤسّسة العسكرية المصرية وموّلوا اِنقلابا فاشيا على حكم مبتدئ يقوده إخوان مصر. الاِنقلابات العسكرية في وضع متفجّر سياسيّا واِجتماعيا تحتاج مالا “زيّ الرزّ” يقنع العساكر بخطورة التّجربة ويمنحهم آليّة لشرعنة الاِنقلاب وتحمّل كلفته الباهضة وتجاوز آثاره في وقت وجيز. فتح الاِنقلاب المصري للاِنقلابيّين في تونس مساحة كبيرة للمناورة أمام حكومة مرتعشة تخاف من ظلّها وتحاذر عند كلّ خطوة تخطوها. ولم تكن مسألة الحضور الإماراتي بتونس أمرا صعبا، بل كان لهذا الحضور عدّة أصداء لاحقة بيّنت حقيقته وفاعليّته في تحريك المشهد السّياسي نحو الاِنقلاب على ما قرّرته صناديق الاِقتراع. واقعة السيّارتين المصفّحتين هديّة لقايد السّبسي وسيّارة الـKIA لحمّة الهمّامي من قبل دولة الإمارات لم يكن لهما من تفسير غير وقائع مخفيّة تبيّن تنسيق الرّجلين بوصفهما أهمّ ركائز جبهة الإنقاذ آنذاك مع الكفيل الإماراتي بغية تنفيذ أجندته في تحييد حركة النّهضة من المشهد تماما.

هذا التّنسيق بين الإمارات وبين وكلائها في تونس لم ينته عند ذلك الحدّ، بل تواصل حصرا مع شخص الباجي قايد السّبسي بوصفه زعيم الحركة المنافسة بندّية لحزب النّهضة، وكثيرة هي الأقاويل الّتي تتحدّث عن تطمينات وتعهّدات قدّمها رئيس نداء تونس للإماراتيّين بتحييد حركة النّهضة بعد اِنتخابه هو وحزبه مقابل دعم مادّي ودبلوماسيّ يوفّره حكّام الإمارات. لكن يبدو أنّه وبعد الاِنتخابات كان للفرنسيّين والجزائريّين وربّما الأمريكان رأي آخر نكص بموجبه قايد السّبسي كافّة تعهّداته لدولة الإمارات، فجبهة مشتعلة بخاصرة الجزائر وعلى سواحل الفرنسيّين لم يكن أمرا مقبولا من الجزائريّين والفرنسيّين على حدّ السّواء، وتوافق هشّ يرحّل التّصادم بين النّهضة والنّظام القديم ويؤجّله لوقت لاحق أفضل بكثير من حرب أهليّة لا تكون نتائجها إيجابيّة البتّة لا على الجار ولا على أهل الدّار.

بمجرّد تأكّدهم من أنّ وكيلهم أصبح في حلّ من كلّ تعهّداته معهم، اِنطلق الإماراتيون في اِتّباع سياسة معادية لتونس بدأت بسحب سفيرهم من البلاد ومنعهم تأشيرات الدّخول للتّونسيّين، وما صاحبها من إقرار ترحيل كلّ من اِستوفى عقد عمله داخل الإمارة. أحسّ الإماراتيّون بالغدر وهم الّذين كانوا في أهبة الاِستعداد لتمويل كلّ إجراء يهدف لتحقيق النّبوءة الخلفانية بالقضاء على الإخوان في ظرف خمس سنوات، لكنّ التّوازنات السّياسية في تونس لم تكن كمثيلتها في مصر، وحتّى وإن شرع في منهج إقصاء حركة النّهضة فلن يكون جسم مناصريها الممتدّ هو الوحيد الّذي سيقف بوجه هذا الإجراء، بل إنّ الغالبية من المواطنين من غير أنصار النّهضة، ومنهم كاتب هذا المقال، سيكونون درعا منيعا أمام أيّ نكوص إلى الخلف بتحييد أيّ طرف سياسي وإقصائه أو بأيّ محاولة للعبث بالسّلم الأهلية وبالسّيرورة المتعرّجة أصلا للثّورة.

من المؤكّد أنّ كلّ الخطط الّتي وضعت لتونس من طرف الأعراب قد تمّ الدّوس عليها بالتّوافق الّذي جمع كلاّ من حركة نداء تونس وحركة النّهضة، توافق سرّع حدّة التوتّر الإماراتي الّذي ذهب في طريق البحث عن “عساكر زواوة” جديدة في السّياسة والإعلام. إلاّ أنّ الوكلاء الجدد أو القدامى المتجدّدين لم يقدروا على حلحلة هذا التّوافق، الّذي يضمن حدّا أدنى من الهدوء بين الفرقاء السّياسيين رغم كلّ الهنات الّتي تطبع علاقتهم هنا وهناك أو بين الحين والآخر، وهو ما يفسّر القرار الأخير الّذي صدر عن دولة الإمارات بمنع أيّ إمرأة تونسية من وطىء التّراب الإماراتي. قرار أرعن ويشي بالتحيّز الأعرابي ضدّ المرأة عموما، لكنّه قرار مهين لتونس ولمواطنيها ككلّ نساء ورجالا ويفتح الباب على مصراعيه أمام إهانات أخرى متتالية إذا لم يكن الردّ الرّسمي مستجيبا لأدنى شروط صون السّيادة والذّود عنها مهما كان نفوذ الطّرف الّذي بادر بهذه الإساءة.

قلنا أنّ الحوار أعلاه يعود لخمس سنوات إلى الخلف، حينها كان العقل الإماراتي يتوهّم بكلّ أريحية نفاذ كلّ مخطّطاته بالدّول الّتي ظهرت بها أحزاب الإسلام السّياسي الّتي اِستفادت من نسائم الرّبيع العربي داخلها فخرجت من ركام الاِستثناء الحاسم إلى مربّع المشاركة السّياسية الفعلية بل وتسيّد الحكومات والبرلمانات ببلدانها. ولئن نجح جزء من آمال خلفان في مصر فإنّ تونس كانت الحقل الّذي اِنكسرت به شوكة الإماراتيين وجعلت من مخرجات الفعل السّياسي مناقضة تماما لرغبات الأعراب وفانتازماتهم. تونس بنسائها ورجالها ستحرق قراطيس آل بهتان وستكوي بها أنوفهم وأنوف وكلائهم الّذين يشغبون علينا سلمنا الأهليّة ونزوعنا إلى التّشابك الدّيمقراطي المدني مع فرقاء السّياسة وشركاء الوطن.

يصف الشّاعر الفلسطيني محمود درويش النّساء بقوله:

الجميلات هنّ القويّات ** يأس يضيء ولا يحترق

نقتبس من هذا البيت فنقول:

الإمارات هي السّوءات ** بأس يضيء.. ويحترق