أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الأمتار الأخيرة للثّورة التّونسية في مواجهة المنظومة

الأمتار الأخيرة للثّورة التّونسية في مواجهة المنظومة

Spread the love

الأستاذ نور الدين العلوي

اللّحظة مصيرية وحاسمة. وليست أقلّ من نهاية أحد طرفيها. فإمّا أن تنتصر الثّورة فتحافظ على مسارها وتواصل إنجازاتها أو أن تنقضّ المنظومة على مكتسبات الثّورة فتمحق الآمال المعلّقة عليها وتعيد تملّك البلد لزمن قد لا يفلح أكثر المتفائلين في توقّع نهايته.
لقد دخلت المنظومة مرحلة من الجنون الّذي يشعر كلّ مراقب بأنّها تلعب أوراقها الأخيرة فتدفع بآخر فيالقها في هجوم اِنتحاري على المؤسّسات المنبثقة من رحم الثّورة والهدف ليس أقلّ من وأد ثورة في مهدها.
حتّى الآن عطّلت المنظومة البرلمان فهو بلقع وتستهدف بشراسة (أين منها شراسة بن علي؟) هيئة الحقيقة الكرامة بهدف ظاهر هو رفض رئيستها السيّدة سهام بن سدرين وهدف مبطّن هو كسر عملها ومنع صدور التّقرير النّهائي الّذي لا شكّ أنّه سيكون بمثابة الضّربة القاصمة لظهر المنظومة فينتقل البلد من بين أيديها إلى أيدي أبناء الثّورة وإن تشتّتوا حتّى اللّحظة. إنّها معركة الأمتار الأخيرة والتّونسيون يردّدون جملتهم الشّعبية (يا طورة يا فورة).

تقرير الهيئة المرعب/ ماذا يعني صدور تقرير الهيئة الختامي والّذي هو على وشك؟

إنّه يعني طعنا نهائيا في شرعية المنظومة التّاريخية بدءا بنقض زعامة زعميها الّذي يؤسّس شرعيّتها. ويعني بدء عملية تأسيس على شرعيّة الثّورة الّتي قامت في عمقها على تلك الشّرعية الزّائفة منذ وثيقة الاِستقلال. إنّه ميلاد دولة جديدة أو الجمهورية التّونسية بحقّ.
إنّه يعني اِستئناف التّفاوض مع الخارج على قاعدة الاِستقلال التامّ ليشمل التصرّف في الثّروات (خبايا الأرض) وتحرير الاِقتصاد من التّبعية لقطب وحيد هو فرنسا. هو بصريح العبارة تجسيد مطلق للاِقتصاد عن النّوافذ الفرنسية الّتي تحاصره وفتح أبواب التّعاقد مع العولمة بصفتها فرصة حرّية لاِقتصاد ضعيف يحتاج إسنادا متنوّعا يحرّره من الحصار الفرنسي.
هذا خارجيا أمّا داخليا فهو يعني بدء التّعويض المادّي والنّفسي والأخلاقي للضّحايا طيلة أكثر من ستّين عاما، فيكون للمقهورين سبب للوطن. فيبنونه من جديد. أو يتحمّلون أقدارهم دون زعيم تبيّن لهم أنّه نصف إله مزيّف. إنّه يعني تركيع مجرمي المنظومة وتوابعها لتعتذر وتخرج من التّاريخ ثمّ من الجغرافيا أي من الثّروات.
من أجل هذا نزلت المنظومة بثقلها كلّه في معركة أخيرة لتسقط كلّ هذه الاِحتمالات المعلّقة بقرار الهيئة لكن هل صفّ الثّورة جاهز للمعركة الأخيرة؟

مدى جاهزية الثّورة للمعركة؟

أنصار الثّورة يختصمون بعد في منطقة سابقة ويجرّون معهم خلافاتهم الجذرية ولا يفلحون في التوحّد مع الهيئة ورئيستها ولكلّ طرف فيها حجّته الّتي تبعده عن التّنسيق المحكم في الأمتار الأخيرة.
سبب الشّقاق القائم هو نفسه في ما سبق من القضايا المصيرية ومدارها السّؤال هل تستفيد النّهضة أو كيف نخسر النّهضة وليس كيف ننقذ الهيئة. إذا كانت النّهضة مع الثّورة ومع الهيئة فمعناه ربحها الاِنتخابات البلدية، أمّا أذا كانت مع التّوافق السّياسي القائم فيجب توريطها في كسر الهيئة. وتتحوّل المعركة وهذ أمر ألفناه وأخسرنا الكثير.
لقد ظهر نوع من الموقف الموحّد داخل البرلمان وتجسّد خاصّة في الطّعن في شرعيّة الجلسة البرلمانية الّتي قرّر فيها حزب النّداء وشقوقه عدم التّمديد للهيئة. وكان اِنسحاب كتلة النّهضة مع الكتلة الدّيمقراطية ونوّاب الجبهة الشّعبية من البرلمان المخالف بشارة توحيد موقف لكنّ بيان النّهضة الّذي صدر بعد ذلك ترك أثرا سلبيّا لدى بقيّة الطّيف المساند للهيئة. فقد تبيّن أنّ النّهضة تلمّح إلى اِحتمال القبول بتنازل عن رئيسة الهيئة السيّدة بن سدرين مقابل الحفاظ على مسار العدالة الاِنتقالية ولو بشخص آخر، وهو ما قرأه البقية كبداية صفقة على الهيئة. ورغم حضور قواعد الحزب المتضرّرة من مظالم المنظومة طيلة عقود التحرّكات الميدانية الّتي اِنطلقت لمساندة الهيئة فإنّ النّقاش تغيّر من وجوب إنقاذ الهيئة إلى أنّ النّهضة عقدت صفقة مع المنظومة.

موقف النّهضة 

الحديث مع قيادات الصفّ الأوّل من حزب النّهضة كشفت أنّ الحزب يقرأ المشهد قراءة مختلفة، فيربط المسار الثّوري بمحطّاته الكبيرة ويرى الهيئة معركة ضمن معارك المسار لا يمكن خوضها منعزلة عن بقيّة المعارك. فالظّرفية التّاريخية في تقديره يجب أن تؤدّي إلى إنجاز الاِنتخابات البلدية وهي مهمّة لا تقلّ أهمّية عن مسار العدالة الاِنتقالية. وإنجازها يقتضي إعادة البرلمان إلى العمل وهذا يقتضي البقاء ضمن التّوافق مع حزب النّداء وعدم كسر التّحالف. فتعطيل البرلمان أو حلّه يفيد النّداء ولا يفيد الثّورة. والمنظومة تعمل على تعطيل كلّ المؤسّسات والدّفع إلى الفوضى لذلك وجب مواصلة خنقها لأنّ نتيجة التّوافق حتّى الآن (بالنّسبة للنّهضة) كسرت المنظومة وشتّتت صفّها إلى شقوق متناحرة. يقول النّهضاوي أنّ محاصرة المنظومة داخل التّوافق أثمر اِستمرار الاِنتقال الدّيمقراطي وقد حصلت تنازلات في مواضع وقضايا كثيرة لكنّ المسار اِستمرّ بما خيّب مطامع المنظومة في اِستثمار الفوضى. وعليه فإنّه في معركة الهيئة يصبح الأشخاص ثانوييّن ما دام المسار قابلا للاِستمرار. وقد ألحّ بيان الحزب على أنّ المسار في ذاته خطّ أحمر. مع التّذكير أنّ أيّ معركة في البرلمان يتقطّع تحت طائلة العدد (التّصويت) حيث ليس للثّورة أغلبية ولو بكتلة النّهضة وما فشل اِنتخاب المحكمة الدّستورية ببعيد.
لكنّ هذا التّحليل الشّامل لا يردّ على أسئلة كثيرة. ما هي ضمانات النّهضة لتصعيد شخصيّة وطنية مجمع عليها في الشّارع على رأس الهيئة والحال أنّ الحزب وكلّ الطّيف الدّيمقراطي معه لم يفلحوا في تصعيد شخص مجمع عليه في هيئة المحكمة الدّستورية هو المحامي العيّاشي الهمّامي؟
يستحضر الحزب في تحليله أنّ موازين القوى داخل البرلمان ليست لصالح الثّورة لكنّه يغيّب ذلك في عمليّة سدّ شغور داخل الهيئة (الهيئة تعمل دون ثلاثة من أعضائها) حيث سيمكّن المنظومة من تصعيد أشخاص يجعلون أغلبيّة الهيئة معادية لتكملة مسار العدالة الاِنتقالية؟
لماذا يغيّب الحزب من رؤيته أنّ إنقاذ المسار بالتّضحية برئيسة الهيئة يقدّم خدمة للمنظومة وخاصّة لحزب النّداء الّتي يقبع الآن تحت الأضواء الكاشفة محلّيا وخاصّة دوليا تراه حزبا معاديا للدّيمقراطية ومستعدّا للاِنقلاب على كلّ منجزات المسار الاِنتقالي رغم أنّه لم يقض عليه فحافظ على مكاسبه المادّية خاصّة.

تذرّر الطّيف الدّيمقراطي؟

حتّى الآن نجد المواقف ملتبسة بعض الشّيء. فالبعض متمسّك برئيسة الهيئة من منطق أنّ أيّ مساس بها هو مساس بالهيئة (حزب الحراك/ الرّئيس المرزوقي). بينما يقترب البعض من موقف النّهضة لكن دون أسبابها (التيّار الدّيمقراطي) فيما تعمل بعض مكوّنات الجبهة الشّعبية (حزب العمّال) كالعادة على التمسّك بالهيئة لتسجيل موقف سياسي على النّهضة الرّجعية.
هذا التشتّت صار طبيعة في موقف هذا الطّيف السّياسي غير المنسجم في مواقف سبقت المعركة حول الهيئة. وهو التشتّت الّذي تتذرّع به النّهضة لعدم الاِعتماد على هذ الطّيف في معارك مصيرية وتفضّل خوض معاركها معتمدة على قدرتها الخاصّة على المناورة من داخل المنظومة. أنّها تتذكر هنا أنّ معارك سابقة وقف فيها كثير من الطّيف الدّيمقراطي ضدّ النّهضة بغايات مزايدة سياسوية.

التّمثال النّحاسي سيحلّ المأزق

أفق سياسي مسدود. في اِنتظار اِنفراج يملى من الخارج كما حصل قبل بدء الحوار الوطني في آخر صيف 2013. سيصدر أمر من مكان ما (نحن نعرف دور فرنسا) كما تأمر معلّمة حيزبون تلاميذها أن اِجلسوا واِتّفقوا. وفرنسا أكبر المتضرّرين من تقرير الهيئة (الحقيقة من كلّ العمليّة الدّيمقراطية في تونس).
معركة أخرى مخسورة لصالحها لأنّ اِتّفاق التّونسيين حول تاريخهم ووطنهم لم يحصل بعد ولن يحصل في هذا الجيل وهذه حقيقة تتجاوز رغباتنا. وليس أدلّ على الخيبة السّياسية الماثلة من حركة السّفير الفرنسي في تونس الّذي يدخل كلّ البيوت السّياسية والخاصّة ويحشر أنفه في كلّ مشكل ويجد دوما أغبياء يلتقطون معه السّلفي وهو يضحك ضحكة تمثال نحاسيّ. ذلك التّمثال النّحاسي يعرف حلّ المأزق وسيملي على التلّاميذ الخونة في الأمتار الأخيرة ستربح فرنسا مرّة أخرى. هي مسألة أيّام فليس في هذه البلدة تلميذ نجيب وليس فيها معلّم آخر.