أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / إيران وتدخّلاتها المستمرّة في المنطقة

إيران وتدخّلاتها المستمرّة في المنطقة

Spread the love

ايران

لم تعد إيران تُخفي تدخّلاتها في الشّؤون الدّاخلية لدول المنطقة أو أدوارها السّلبية الّتي أدّت إلى تصاعد حدّة الأزمات الإقليمية المختلفة، بل إنّها على العكس من ذلك بدأت في إلقاء الضّوء على مثل تلك التّدخّلات، بهدف توجيه رسائل مباشرة للقوى الإقليمية والدّولية المعنيّة بتلك الأزمات بأنّها رقم مهمّ لا يمكن تجاهله فيها، وأنّها سوف تعرقل الجهود المبذولة للوصول إلى تسويات سياسية لها إذا لم تتوافق مع مصالحها ومساعيها لدعم دورها الإقليمي في الشّرق الأوسط.

ومن دون شكّ، فإنّ إيران حرصت في هذا السّياق على استثمار عدم اهتمام القوى الدّولية الرّئيسة، لا سيما الولايات المتّحدة الأمريكية، بتلك التّدخّلات، حيث ما زالت الأخيرة تمنح الأولوية لتنفيذ إيران بنود الاتّفاق النّووي الّذي تمّ التّوصّل إليه في 14 جويلية 2015، خاصّة أنّ إدارة الرّئيس الأمريكي باراك أوباما الّتي أوشكت على نهاية ولايتها، تعتبره بمثابة إنجاز مهمّ يعوّض -في رؤية اتّجاهات عديدة- الإخفاقات المتتالية الّتي مُنيت بها السّياسة الخارجية الّتي تبنّتها في الأعوام الثّمانية الماضية، لا سيما تجاه الأزمات الدّولية والإقليمية الرّئيسة، على غرار الأزمتين الأوكرانية والسّورية وعملية السّلام بين إسرائيل والفلسطينيّين.

مبرّرات عديدة:

لكنّ اللاّفت في هذا السّياق، هو أنّ إيران بدأت في تقديم مبرّرات عديدة لتفسير تدخّلاتها المستمرّة في الشّؤون الدّاخلية لدول المنطقة، من خلال تأسيس علاقات قويّة مع تنظيمات مسلّحة وجماعات محلّية. وكان آخر تلك المبرّرات ما جاء على لسان قائد منظّمة التّعبئة “الباسيج” محمد رضا نقدي، الّذي قال، في 15 أكتوبر 2016، إنّ “حدود إيران هي الاهتمام بالإنسانية، وليس الحدود المصطنعة من البشر”، مضيفا أنّه “يجب ألاّ نقيّد خدماتنا في دائرة الحدود الّتي وضعها المستعمرون”.

والجدير بالذّكر هنا أنّ تلك التّصريحات ليست جديدة، حيث سبق أن أشار أكثر من مسؤول إيراني إلى اتّساع المجال الحيوي لإيران، على غرار مستشار المرشد للشّؤون العسكرية قائد الحرس الثّوري السّابق يحيى رحيم صفوي، الّذي قال، في ماي 2014، أنّ “النّفوذ الإيراني يمتدّ حتّى البحر المتوسّط”، وعلي يونسي مستشار الرّئيس لشؤون الأقلّيات الّذي قال، في مارس 2015، أنّ “بغداد أصبحت عاصمة للإمبراطورية الإيرانية”.

هذه التّصريحات في مجملها تطرح دلالتين رئيستين ترتبطان بالاتّجاهات العامّة للسّياسة الخارجية الإيرانية.

الأولى، أنّ إيران غير راضية عن حدودها القائمة، وترى أنّ توازنات القوى الدّولية، في بعض المراحل التّاريخية، أدّت إلى تقليص مساحتها الجغرافية حتّى وصلت إلى حدودها الحالية. وقد بدا ذلك جليّا في تصريحات أدلى بها مسؤولون إيرانيون أشاروا فيها إلى أنّ توقيع معاهدات عديدة مع بعض القوى الدّولية أدّى إلى استقطاع مساحات واسعة من الأراضي الإيرانية.

ومن دون شكّ، فإنّ تلك الرّؤية لا تبدو جديدة، حيث كان التّطلّع إلى ممارسة دور عابر للحدود أحد محدّدات السّياسة الّتي تبنّتها إيران قبل اندلاع الثّورة الإسلامية عام 1979، إلاّ أنّها اكتسبت أبعادا جديدة بعد تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية، الّذي اعتمد على أسس عقائدية تتجاوز إلى حدّ كبير حدود إيران الحالية، وتفرض مجالا حيويا واسعا لتدخّلات إيران الّتي باتت تُمثّل مصدرا رئيسا لتهديد أمن واستقرار كثير من الدّول، بعد أن بدأت في استخدام شعارات أيديولوجية لتدخّلاتها على غرار “نصرة المستضعفين” و”محاربة المستكبرين” و”إقامة الحكومة العالمية للإسلام”، رغم أنّ إيران -في كثير من الأحيان- تتغاضى عن تلك الشّعارات إذا ما تناقضت مع مصالحها.

والثّانية، أنّ إيران سوف تواصل تدخلّاتها في المنطقة رغم كلّ التّداعيات السّلبية الّتي فرضتها في الفترة الماضية، سواء فيما يتعلّق باستمرار الأزمات الإقليمية المختلفة دون بروز مؤشّرات تزيد من احتمالات الوصول إلى تسويات بشأنها في الفترة المقبلة، أو فيما يرتبط بتصاعد حدّة التّوتّر في علاقات إيران مع كثير من القوى الإقليمية بالمنطقة نتيجة للسّياسة الّتي تتبنّاها، على عكس التّوقّعات الّتي كانت تشير إلى أنّ صعود الرّئيس حسن روحاني إلى السّلطة في 2013 ثمّ الوصول للاتّفاق النّووي في 2015 ربّما يؤدّي إلى تقليص حدّة التّوتّر وتحسين العلاقات مع كثير من دول المنطقة.

اهتمام بـ”داعش”:

من هذا المنطلق، يمكن تفسير حرص إيران على الإعلان عن تفكيك خلايا تابعة لتنظيم “داعش” سعت إلى اختراق الحدود من أجل تنفيذ عمليات إرهابية داخل إيران. فقد أشار نائب حاكم محافظة فارس هادي باجوهيش، في 14 أكتوبر 2016، إلى أنّ أجهزة الأمن الإيرانية تمكّنت من تفكيك خليّة تضمّ 11 عنصرا من الأجانب. وقبل ذلك، أعلنت وسائل الإعلام الإيرانية، في بداية أوت 2016، أنّ السّلطات نجحت في إفشال محاولات إرهابيين اجتياز الحدود الإيرانية-العراقية، وكشفت أنّ أجهزة الأمن استطاعت إحباط عملية إرهابية كبيرة كانت سوف تُنفّذ في العاصمة طهران.

وربّما يمكن القول أنّ إيران تسعى من خلال الإعلان المتكرّر عن تفكيك خلايا إرهابية تابعة لتنظيم “داعش” حاولت دخول أراضيها لتنفيذ عمليات إرهابية، إلى تحقيق هدفين:

أوّلهما، إضفاء وجاهة خاصّة على تدخّلها في الأزمتين السّورية والعراقية تحديدا، حيث ما زالت إيران تقدّم دعما لنظام بشّار الأسد في دمشق وللحكومة العراقية في بغداد، كما ساعدت في تكوين وتدريب ميليشيات طائفية من لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان لتعزيز قدرة النّظام السّوري والحكومة العراقية على مواجهة الضّغوط الّتي يتعرّضان لها.

وهنا، فإنّ إيران تحاول من خلال الإعلان عن تفكيك خلايا إرهابية الإيحاء بأنّ دورها الدّاعم للنّظام السّوري والحكومة العراقية يهدف إلى الدّفاع عن مصالحها وأمنها. وبعبارة أخرى، فإنّ إيران تسعى من خلال استغلال ذلك إلى تأكيد أنّ دعمها للطّرفين يمثّل دفاعا متقدّما ضدّ التّنظيمات الإرهابية قبل وصولها إلى أراضيها.

وبالطّبع، فإنّ حرص إيران على توجيه تلك الرّسالة يعود إلى الانتقادات الحادّة الّتي تتعرّض لها بسبب تلك السّياسة الّتي تبنّتها تجاه الأزمتين السّورية والعراقية، والّتي أدّت -وفقا لرؤية اتّجاهات عديدة- إلى استنزاف قدرات إيران المالية والعسكرية، واستمرار الأزمتين حتّى الآن دون تسوية.

وثانيهما، محاولة إقناع القوى الدّولية بإمكانية تأسيس شراكة أمنية لمكافحة الإرهاب تمثّل إيران فيها طرفا رئيسا. وقد مثّل ذلك باستمرار محورا رئيسا في تصريحات المسؤولين الإيرانيين. فعلى سبيل المثال، اعتبر محمد نهاونديان رئيس مكتب الرّئيس روحاني، في 15 سبتمبر 2015، أنّ الاتّفاق النّووي يمكن أن يكون مقدّمة للتّعاون بين إيران والولايات المتّحدة الأمريكية في مكافحة الإرهاب، شرط التزام الأخيرة ببنود الاتّفاق.

وبعبارة أخرى، فإنّ إيران تسعى إلى تعزيز قدرتها على المشاركة في عملية إعادة صياغة التّرتيبات الأمنية والاستراتيجية في المنطقة، بعد أن وصلت إلى تسوية لأزمتها الرّئيسة مع القوى الدّولية، والّتي تتمثّل في البرنامج النّووي، باعتبار أنّه يمكن التّعويل عليها، وفقا لرؤيتها، في ملفّ مكافحة الإرهاب الّذي يحظى في الفترة الحالية باهتمام خاصّ من جانب القوى الدّولية، لا سيما بعد تنفيذ عمليات إرهابية عديدة داخل بعض الدّول الغربية، مثل فرنسا وبلجيكا.

لكنّ هذه الجهود في مجملها تواجه عقبات لا تبدو هيّنة. ففضلا عن استمرار اتّهام إيران بدعم الإرهاب، فإنّ الصّعوبات الّتي ما زالت تحول دون رفع العقوبات الدّولية المفروضة عليها، من خلال السّماح للشّركات والمصارف الأجنبية بالتّعامل معها؛ تُبقي كلّ المسارات الخاصّة بهذا الاتّفاق مطروحة بشكل سوف يحول دون تفعيل أيّة شراكة حقيقية بين إيران والدّول الغربية حول مكافحة الإرهاب خلال المرحلة المقبلة.