شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | إقبال المرأة!

إقبال المرأة!

image_pdfimage_print

“يحتاج العالم إن حلّ به البلاء إلى تدخّل المرأة، فهي وحدها القادرة على إنقاذه.” محمّد إقبال اللاهوري.

الأستاذ الهذيلي منصر

وقعت عيني على هذا النصّ القصير في مجموعة ترجمة على الواتساب. مجموعة تختصّ في الأدب المقارن العربي الفارسي وفي نقل بعض النّصوص من العربية إلى الفارسية ومنها إلى العربية. أقع سعيدا في كلّ مرّة على درر كهذه وأكتشف كم اِبتعدنا عن المنطق والذّوق والحكمة وتهنا في الصّحاري من دون زاد ولا حتّى قربة ماء. محمّد اقبال فيلسوف وشاعر صوفي كبير. كان لامعا واسع المعرفة والاِطّلاع ومتمكّنا من كثير من اللّغات. قرأت منذ ساعات حوارا مع الدّكتور هشام جعيّط ذكر فيه محمّد إقبال وأشاد به وبأثره في سياق حديث يفضح عقم التّفكير بين المسلمين وعجزهم عن العميق. رؤية إقبال للمرأة هنا بالغة وبليغة العمق ولو كان منها بنسبة معقولة ما كانت مسألة المرأة تتحوّل إلى مسبّة إسلام ولا إلى حصان طروادة ينال به خصوم الإسلام منه ولا إلى مسمار جحا. كان يمكن أن تتحوّل المرأة إلى نقطة قوّة معنوية ورمزية.

هل ينطلق محمّد إقبال من قصّة حبّ ذاتية ليبني هذا الموقف؟ لا. هو ينطلق من تدبّر في الإنساني. إذا كانت المرأة تنقص في عقل ودين فإنّها تزيد حيث ينقص الرّجل كثيرا وأقصد العاطفة والوجدان. الآن حديث عن الذّكاء العاطفي وعن الوجدان بابا لصدق الإيمان. في المحصّلة الأنثوي النّسوي يفوق الرّجالي الذّكوري بكثير. وليست المقارنة هنا بين رجل واِمرأة وإنّما بخصوصيات تعوّدنا على ربط بعضها بالرّجل وأخرى بالمرأة. المرأة اليوم وفي الغالب ليست أنثوية ولا نسوية في شيء ويكاد ينحصر الاِهتمام والهمّ عندها بترجّل فجّ من اللّباس إلى نبرة الصّوت من دون أن ننسى منافسة تضعها ولا ترفع في سوقيّة العبارة والإيحاء.

شدّني موقف إقبال لأنّني كنت منذ أيّام أتدبّر مع طلبتي نصّا جميلا لميخائيل نعيمة رحمه الله رحمة واسعة. النصّ من “مذكّرات الأرقش” وفيه يذكر الأرقش طيفا نسويّا مرّ به وهو بين يقظة ومنام. طيف فعل فيه، إحساسا وخيالا، العجيب والغريب. لم يتزوّج ميخائيل نعيمة النّساء. حرّمهنّ على نفسه كما حرّم لحم الحيوان. عاش ناسكا ولكن حضرت المرأة إلى فلسفته حضورا قويّا وتدبّرها. خلاصة الحوار مع الطّلبة ما يذهب إليه إقبال من أنّ العاطفة الّتي ترمز إليها المرأة حصن ضدّ التوحّش وضمانة معنى يحمي الإنسانية. بين إقبال ونعيمة صلة نظرة وفهم وبينهما وبين شاعر فرنسي صلة أيضا. الشّاعر يعرّف المرأة مستقبلا للإنسانية أو الإنسان. بمعنى أنّها خلاصه. لا يكبر طفل إلاّ بفضل عطف جيّاش عارم ومصدر ذلك أمّ اِمرأة. من دون هذا لا تكون حياة ولا تستمرّ ولا يكون إنسان داخل إنسان إلاّ عبر حمل. علاقة المرأة بالحياة واِستمرارها سحرية. جعلناها فقيرة عندما حوّلنا هذه العلاقة إلى وصف حمل وتطوّر جنين وحركة كروموزومات. العلم مذهب للسّحر ومبيد للخيال. يحرمنا من المعنى عندما يثقلنا بالوصف الدّقيق.

لا يجتمع صوفية إلاّ وفي بالهم ليلى. يذكرونها مادحين منتشين ويحدّثونك عن دقائق سرّ ليلى ولطائف حبّها. هي أشياء كثيرة ولا شيء. لا هي المرأة ولا هي غيرها. لا هي أرضية ولا هي علوية ولا هي إنسية ولا جنّية. هي العصيّة على التّصنيف والتّبويب وهي المجنّحة فلا تمسكها اليد وهي العميقة فلا يقدر عليها حفر. لا وصف لها ولا علم بها. هي سرّ في سرّ وهي غيب في غيب وهي بهذا إلاهية بل لعلّها الله مجازا. وفي كلّ الأحوال فهي آخر مطلق لا نبلغه إلا بالحبّ.

بدأت ليلى عربية عامرية شعرية بنت قوافي واِنتهت إلاهية. هذه الصّلة بين المرأة والإلاه جديرة بالدّرس والتدبّر. حاشا الله أن يكون نسويّا وحاشاه أن يكون رجاليّا ولكننّا في الغالب نتمثّله رجلا ونتمثّله بصفات ذكورية قصوى. هو يعرّف نفسه رحمة ورحمنية وهو بهذا إلى وجدانية وعاطفية المرأة أقرب وقد تكون الرّحمة أكبر بقلب رجل من قلب اِمرأة فليست المسألة عضوية. هناك نسيون بين رجال ورجاليون بين نسوة.

والسّؤال عن الأنبياء والرّسل والصّلحاء والأئمّة والأولياء وصولا إلى الشّعراء والمبدعين والمفكّرين من أيّ عين يشربون؟ علينا تدبّر قصّة مريم عليها السّلام من زاوية غير ما عُوّدنا عليه. حملت مريم بكلمة الله. هذا معجز ولكنّه أيضا أكثر من معجز. قابليّة أن تحمل المرأة بكلمة الله قابليّة عظيمة ومريم الحامل بعيسى لم تتوقّف عن أن تكون اِمرأة بل لعلّها حينها فقط كانت اِمرأة بحقّ. واذا كنّا ننتظر عيسى فهذه العودة صعبة التصوّر من دون عودة معنويّة رمزية لمريم عليها السّلام. ذكرت مريم وهي شخصية متميّزة بما تحيل عليه ولكنّها ليست الوحيدة. من عبث عقل تصديق أنّ آمنة أمّ الرّسول في النّار لأنّها لم تلحق البعثة والرّسالة. لا يكون نور إلاّ من نور ولا يرث النّور إلاّ من كان من نور. آمنة ولكن أيضا خديجة وفاطمة نساء يرسمون نفس الحروف. القوارير القوارير، لا يكرمهنّ إلا كريم ولا يهينهنّ إلاّ لئيم. لا يحترف إهانة المرأة إلاّ من يعلم نفسه في قرارتها هيّنا.

ملاحظة: لا علاقة لهذا الحديث بالميراث ولا بمغامرة عاطفة أخيرة ولا حتّى بأصوات نساء يوم الاِنتخابات. علاقة هذا الحديث بالمعاني والتوجّهات الثّقافية وصدمة داعش “الإسلامية”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: