أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / أين بوصلتي يا ربّي؟

أين بوصلتي يا ربّي؟

Spread the love

مقهى العبث

المخرج المنجي الفرحاني

المخرج المنجي الفرحاني

مرّ صديقي البهلول كعادته يجرّ أذيال خيبتنا وسربا من علب الطّماطم والهريسة والمعجون الخاوية الّتي ينغّص بها على الصّمت المخيّم على المقهى رغم ضجيج المدينة القاتل..

وقف غير بعيد وخطب هذه المرّة عربيّة فصحى لا شيّة فيها في أكياس الزّبالة الجاثمة على قلب الرّصيف.. هل أحسّ ببذاءة لسانه في المرّة الفارطة وأنّه كاد يكون سببا في غلق حسابي الفايسبوكيّ بعد حملة “سينيال” مسعورة عليه إثر نشر الحادثة.. وما ذنبي أنا وقد اِكتفيت بنشر جنونه هو؟ لا علينا.. نعود إلى خطاب صديقي البهلول:

“أيّتها الأكياس الحاملة لأسرار كروش العقلاء:
أتعلمين أنّ المفتاح في الظّلمات وأنّ الظّلمات جيوب وأنّ الجيوب في سراويل وأنّ عيون السّراويل إفرنجيّة؟”
قهقه قهقهات مدويّة كصواعق خريف غاضب ثمّ أذّن في وقت غير صلاة عساه يذكّرهم أنّه البهلول وأنّهم الأكياس وواصل خطبته:
“السّراويل الإفرنجيّة لا تشبع أبدا وتعشق اِلتهام أحلامكم وهي في بطون يقظتها..
الوحش الشّماليّ، مغتصب أمسكم لا يزال فيكم، هو لم يغادركم يوما.. باض في بقايا أفكاركم فلبستم نظّاراته طوعا أو جبنا أو عن غير قصد..
أريد أن أرحل بعيدا عن عيون الوحش القابضة مخالبه على أزهار نبتت ذات غفلة منه في ربيعكم..
أين بوصلتي يا ربّي؟
اِفتكّوا أزهاركم إن أردتم من مخالب الوحش ثمّ لا تزرعوها في علب الطّماطم والهريسة والمعجون..
الوحش هو من صنع علبكم فلا تناموا في ظلماتها.. جرّوها مثلي.. اِخترقوا بها جدار صمت الهزيمة في ضمائركم الغائبة…”

تفنّن في التبوّل على كلّ أكياس الزّبالة الرّصيف ثمّ أخذ جنونه واِختفى..
أمّا أنا فظللت أنتظر عربة الشّيخ محدّب الظّهر والحظّ علّه يأخذ معه كلّ أكياس الزّبالة إلى مقابرها ويريح جنون ما تبقّى لكلماتي من أمل..
بعض أمل أدركته في قاع فنجاني.. في الرّشفة الأخيرة من قهوتي.. طفلة سمراء تقطر براءة تبتسم لي بعد أن عبثت بكلّ ألواني.. ما أجمل سحرها الإفريقيّ.. “تت رمش”..

فجأة غابت البراءة وتعالى أنين فصراخ في قاع فنجاني الّذي سرعان ما تحوّل إلى بركة دماء تسبح فيها أشلاء بشريّة ومصاحف ومسابح.. كانت لهجة الأنين مصريّة..
رفعت رأسي لأرى مشاهد مباشرة على تلفاز المقهى لمجزره مسجد الرّوضة في سيناء ضدّ المصلّين الأبرياء اليوم إثر صلاة الجمعة…

ضاعت بوصلتي بين اِبتسامة الطّفلة الحالمة وأشلاء المصلّين المنحورة فطويت رأسي طيّا ووضعته في جيبي وغادرت المقهى بلا فكر…