أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / أصدقائي، أحبّتي.. بمناسبة المولد النبويّ الشّريف.. أهنّئكم بطريقتي..

أصدقائي، أحبّتي.. بمناسبة المولد النبويّ الشّريف.. أهنّئكم بطريقتي..

Spread the love

24174530_10203760720094189_8767468883874357766_n

المخرج المنجي الفرحاني

المخرج المنجي الفرحاني

خيّم اللّيل على المقهى فأضفى على أفقي مسحة كآبة مرّ مذاقها كأنّها الحنظل..
لا شيء يوحي بأنّ النّادل الغبيّ لن يخطأ هذه المرّة أيضا هويّة قهوتي ولا الظّلام اِستطاع أن يخفي ملامح أكياس الزّبالة الجاثمة على قلب الرّصيف في ظلّ حضرة فانوس البلديّة الكهربائيّ الّذي يعكس تلك الأكياس على جدار المقهى على يساري..
على التّلفاز أخبار لم أسمعها تشبه كلّ الّتي سبقتها..
حرب وفساد وظلم وديمقراطية مقليّة في زيت النّاتو والفيتو والبيترودولار مع كثير من النّهود من الجنسين ومفقّرين يموتون في البحر حينا ويباعون في سوق النّخاسة أحيانا أخرى..

اِبتسمت وجلا لمشهد عبثّيّ مرّ في مخيّلتي.. ففي سوق ليبيا عندنا يبيعون بضاعة مصنوعة في الصّين وفي سوق ليبيا- ليبيا يبيعون البشر بضاعة.. سمعت صرخة عمر تهزّ سماء المعمورة ولا أحد يسمعها:
متى اِستعبدّتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا؟

فجأة اِخترق الظّلمة صوت كأنّه قادم من زمان غير زماننا..
أنا أعرف هذا اللّحن جيّدا.. أمّا الكلمات فلا تزال تصلني من مكان بعيد لا أستطيع كنهها ولكنّها تهزّ كياني..

– خويا ديراكت كالعادة؟
لم أجد في كياني الّذي يحلّق في سماء الصّوت الشجيّ القادم ردّة فعل غاضبة أنسف بها النّادل..
– قهوة عربي خويا الباهي وربّي يهديك..
اِبتسم ولكنّه لم يجد ما يقوله فقد فاجأه هدوئي.. عادة لا أسكت على غبائه الأبديّ عندما تعلّق الأمر بقهوتي.. هو يعرف شرب الإعلاميّ والمهندس وصاحب المقهى والموظّف الأصلع وزوجة المسؤول وحتّى سفير فرنسا المشؤوم..

اِختلط الصّوت الّذي اِقترب أكثر بضجيج زبائن المقهى وصوت المذيع على التّلفاز يتساءل إن كان السّفير مختونا ليهوديّته أو لإسلامه أو لمآرب أخرى.. ندمت على لحظات اِنتباهي إليه وخفت أن يفسد عليّ اللّحن الّذي لا يزال يعبث بكياني جمالا ويدغدغ ما علق على الرّوح من أدران هذه الدّنيا الفانية..

سأحافظ على هدوئي.. شهيق.. زفير.. اللّحن يقترب أكثر وأكثر.. شهيق.. زفير…
شهيق.. شدّ دارك سي الـ… زفير.. أعوذ بالله من شرّ ما خلق..
اِنصرفي ايّتها الأرواح الشرّيرة.. شهيق.. زفير.. أريد فقط أن أهيم في لحني..

قام شابّ أظنّه من أحفاد الفلاّڨة فبصق على المذيع وغيّر وجهة القناة إلى ناسيونال جيوغرافيك غير أنّه أخطأ البصقة فاِستقرّت على وجه الإعلاميّ المرتزق الّذي مسحها وسكت من جبنه..

شهيق.. زفير.. الصّوت صار على مسافة أمتار.. وهو ليس على مسمعي بغريب..
صمت من في المقهى جميعا وأنصتوا إلاّ الإعلاميّ.. تناول علبة سجائره ومرسيّازه وغادر غاضبا.. ربّما لغياب روح تستوعب اللّحظة..

اِنتبهت إلى الصّورة على الجدار فاِهتزّ كياني أكثر..
هي تعكس الشّيخ محدّب الظّهر والحظّ يجمع قوارير البلاستيك الخاوية من بين أكياس الزّبالة ليبيعها ويشتري من ثمنها لقمة حلالا له ولعياله..

اِشرأبّت أعناق من في المقهى إلى صاحب الصّوت الشجيّ.. لا يكادون يصدّقون مسامعهم ولا أعينهم..

إنّه صوت الشّيخ محدّب الظّهر والحظّ يغنّي مقاطع من البردة ويذكّرنا بمولد نبيّنا الكريم الّذي جاء رحمة للعالمين..
بحنجرة رجل واحد تجاوب معه الجميع:

مولاي صلّي وسلّم دائما أبدا
على حبيبك خير الحلق كلّهم

أمّا أنا فقد اِكتمل المشهد عندي صوتا وصورة على الجدار..
لقمة حلال وإيمان بربّ عادل يأخذ له حقّه من المستكرشين ولو بعد حين..

هو الحبيب الّذي ترجى شفاعته لكلّ هولٍ من الأهوال مقتحـــمِ
دعا إلى الله فالمستمسكون بــه مستمسكون بحبلٍ غير منفصـــمِ
فاق النّبيين في خَلقٍ وفي خُلـُقٍ ولم يدانوه في علمٍ ولا كـــرمِ
وكلّهم من رسول الله ملتمـــسٌ غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ
وواقفون لديه عند حدّهــــم من نقطة العلم أو من شكلة الحكمِ
فهو الّذي تمّ معناه وصورتــه ثمّ اِصطفاه حبيباً بارئُ النّســـمِ

غادرت المقهى بروح تحلّق في سماء حلم وليد..
لن تنطفئ شعلة نور اِسمها محمّد صلوات الله وسلامه عليه..
هذا الواقع المرير بيدنا أن نغيّره لو أردنا فعلا ذلك..
لا يغيّر الله ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم..

أدركني النّادل في آخر الشّارع..
– راك نسيت صطوشك وتاليفونك صاحبي..
شكرته وقبّلت جبهته وهممت بمجازاته ببعض المال فقال:
– صلّي على النّبي…
……………………….